:
:


مُنذُ انتشارِ وباءُ كورونا المستجدُّ ونحن نعيشُ في ظلِ ظروفٍ خانقةٍ وإستثنائيةٍ، بدءًا بالحجرِ المنزلي الإجباري وتطبيقِ تعليماتِ وزارةِ الصحةِ وصولاً إلى الإغلاقِ الشاملِ وتعطيلِ الدراسةِ لشتّى المراحلِ، مما أدى إلى انقلابِ حياتِنا رأسًا على عقبِ، بحيثُ باتَ المتنفسُ الوحيدُ لأبنائنا هو مواقعُ التواصلِ الإجتماعي والشبكاتُ العنكبوتيةُ.

إعلان

لَيت وباءُ كورونا هو فقط من يَتحكمُ بنا ويعيقُ تقدُّمنا فَحسب, بل فضَحَ هذا الفيروسُ وباءًا آخرًا أشدُ فتكاً لمجتمعاتنا, ألا وهو وباءُ التَنمُّر بشكلٍ عام وخاصةً ظاهرةُ التنمُّر الالكتروني, بحيثُ تضاعَفت مؤخرًا الأحاديثُ عن ازديادِ حالاتِ التنمُر الالكتروني طرديًا مع زيادةِ نسبةِ استخدامِ الحواسيبِ والهواتف النقالةِ تزامُنًا مع وباءِ كورونا القاهرِ الذي حتّمَ علينا كَأهالٍ ومربين وطلابٍ الانتقالَ إلى تقنيّاتِ حديثة للتّعلمِ عن بُعدٍ، واستخدامِ تطبيقاتٍ مختلفةٍ كتطبيقِ (الزووم) و (الكلاس روم) وغيرها من التطبيقاتِ المختلفةِ.

لا شك أنَّ التباعدَ الاجتماعيَّ الذي فرضهُ الوباءُ قد زادَ من نسب العنف بنوعيهِ داخل المجتمعِ، والتنمُّر هو شكل من أشكالِ العنفِ الجسدي والنفسي على حدٍ سواء.مُصطلح التنمرِ الالكتروني يعتبرُ حديثُ الظّهورِ، وهو أحدُ سلبياتِ التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، حيثُ أنَّ إفراز السموم الإلكترونية من خلالِ العالمِ الافتراضيَّ لهُ تبعاتٌ على التكوينِ الشخصي للفردِ الذي قد يتخِذ أسلوبَ التنمُّر طريقة تعاملٍ مع محيطهِ، مما سيجعلهُ عرضةً للمشاكلِ والتهميشِ الاجتماعي.

الكثيرُ من الأشخاصِ يمارسون التنمُّر الالكتروني من خلالِ التعقيبات وارسالِ الصورِ ونشر مقاطع الفيديو والاصوات المسجلة للأشخاصِ والشتم والقذف دونَ علمهم أنَّ ذلك يُدعى تنمرًا، ألا يَدري هؤلاء أن هذه التصرفات والسلوكيات تعكسُ قلةَ الوعي وعدم الادراك للأذى الذي تُخلّفهُ لدى الأفراد بسببِ هذه الظاهرة الخطيرة؟!زِد على ذلك أنَّ تلك الظاهرةِ قد تُؤثر على الفردِ والجماعةِ على حدٍ سواء، فتُشحن النفوسُ وتُزرع الفتنة والفسادُ بين أطيافِ المجتمعِ، ويسيطرُ الإحباطُ والعجزُ والشعور بعدم الثقة على الافراد المُتَنمر عليهم، مما ينعكسُ على سلوكياتهم فيلجأون إلى العزلةِ والوحدةِ بالإضافةِ إلى التوترِ والقلقِ المستمرِ والتفكيرِ الدائم خوفًا من الخِزّي والفضيحةِ.

للتنَمُّر أشكالٌ عدةٌ:-التنمُّر الالكتروني الشائع في مجتمعاتنا، التنمُّر الماديُّ، التنمُّر اللفظيُ، التنمُّر الاجتماعي.

وأخطر أنواع التنُّمر وأكثرها تأثيرًا على المُتَنّمرِ عليهم هو التنمُّر الالكتروني، لأنهُ يحدثُ من خلفِ الشاشاتِ الصامتةِ وكثيرًا من الأحيانِ يُجهلُ مُمارسوهُ، مما يسبب الأذى للآخرين دون معاقبتهم.

يُشكلُ التنمُّر على أنواعهِ واقعًا مرعبًا لما يتركهُ من آثار سلبيةٍ وعواقب وخيمةٍ، قد تصلُ حدَّ الإكتئابِ والإنتحارِ، كما أن لسلوك التنمُّر أضرارًا مختلفةً من شأنها أن تُلحق الأذى النفسيَّ بالأفرادِ المتنمرين والمُتَنَّمر عليهم، فقد يعانون من المشكلاتِ الاجتماعيةِ مع زملائهم، فلن يكون التنمُّر هو الحل الأمثل للتغلبِ على هذه الضغوط.

وفقًا للأبحاثِ والاحصائياتِ المُحتلنةِ حول موضوع التنَمُّر الالكتروني، فإنَّ نسبتهُ بما يشمل الابتزاز قرب طلاب المدارسِ قد زادت بأضعاف لعدةِ أسبابٍ منها:

1. بقاء الطلبةِ ساعات متواصلة أمام شاشات الحواسيب لمتابعة التعلمِ عن بُعدٍ، أو بهدف التواصل الاجتماعي.

2. قلةُ الرقابةِ من الأهلِ أثناء سيرورةِ التعلمِ عن بُعد.

3. هنالك نسبةٌ من الطلابِ الذين لا يمتلكون المهارات لحمايةِ أنفسهم من أي تنَمُّر يتعرضون لهُ، مما يُسهل إخفاء تصرف وقلق المُتَنمر عليهم.

في الآونةِ الأخيرة, وخلال تطبيق استراتيجية التعلُّم عن بعدٍ, ما أثارَ انتباهي هو تَنمُّر بعضُ الطلاب على معلميهم, ويُعتبر ذلك من أسوأ ما وصلنا إليهِ, وأقصى درجات الخُطورة, يَتمثّل ذلك جليًا من خلال نشرِ رسائلَ صوتيةٍ لمعلمين ومعلمات وأمهات, وهنا يَدور الحديث أيضًا حولَ تسرب بعضِ مقاطع الفيديو التي تمَّ أخذها من برامجِ التعلم عن بعد, معظمها يهدف إلى الترفيهِ والفكاهةِ والتهكمِ, متناسين جميع القيَّمِ والأخلاقِ والتربيّةِ, ومقللين من شأن المعلم ومكانتهِ , ومستغلين الظروف الراهنة في البعدِ الاجتماعي والتواصل من خلالِ التقنيات الحديثة, حتى أصبحَ الأمر مُقلقًا بحقِ المعلمين.

إضافةً إلى أنَّ المكون النفسي للفردِ على مدارِ مراحلِ حياتهِ، منذُ الطفولة وحتى مرحلة الشباب مُكتسبٌ من البيئةِ المحيطةِ ومن المجتمعِ والأشخاصِ المحيطين بنا، لابدَ أن نحذر من التهاونِ في مثل هذهِ التصرفاتِ التي قد تسبب أولاً شرخًا كبيرًا في النسيج المجتمعي، وثانياً تولدُ العنف الفردي داخل الأسر.

حرِيٌ بنا كأهلٍ ومُربين نشر الوعي والإرشاد بين أبنائنا حول مخاطر ظاهرة التنمُّر التي باتت مقلقة، فلا بُدَّ من مراقبةِ الجو الأسري وتعزيز الإيجابيات وضبط السلوكياتِ السلبية.

فلا ننسى أننا نسير على النهج القويم كما أوصانا الرسول صلى الله عليهِ وسَلَّم لقولهِ:" المُسلِم مَن سَلِّم الناسُ من يدهِ ولسانهِ ".

فكلُّ ما علينا فعلهُ أن نُشيد جسورَ الثقةِ والأمانِ ونبني علاقاتِ للمودّةِ والاحتواءِ مع أبنائنا، نُنمي مفهوم الذاتِ لديهم، ونَسنَح لهم المجالَ للتعبيرِ عن المشاعر وملءِ أوقات الفراغِ بما يرجعُ بالفائدةِ عَليهم وعلى مجتمعاتِنا.

المربية والباحثة في علم النفس التربوي

ولاء خُطبا




0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد