“الجمهور“ - تعبير تتغير دلالته تبعـًا للموقف والزمان والمكان. هو مادة متنقلة نسبية لا ضابط لها. الأطفال جمهور. عامة الناس جمهور. الذين أنهوا الثانوية– على الأقل – جمهور

“الجمهور“ - تعبير تتغير دلالته تبعـًا للموقف والزمان والمكان. هو مادة متنقلة نسبية لا ضابط لها. الأطفال جمهور. عامة الناس جمهور. الذين أنهوا الثانوية– على الأقل – جمهور. خاصة القراء الذين يَـنفـون بعضهم بعضًا كل واحد منهم يؤلف جمهورًا. وأحيانـًا يكون الفرد جمهورًا وآنـًا يكون الجمهور فردًا. والقياسات الحقيقية مطاطية أو زئبقية. ولكننا مع ذلك– ورغم كل ذلك–  نترجم عمليـًا هذا السواد الغبي أو الذكي، الضيق أو المتسع، المستكين أو الناقم إلى لغة الإنتاج – في تقبله أو شرائه أو الترويج له، وبالتالي إلى شهرة صاحب الإنتاج أو سيرورة إبداعه.

 

فماذا يفعل المبدع حتى يكون في وجدان الجمهور– هذا الذي يتلقى ويرحب؟

إعلان

 ماذا يفعل الرسام أو الموسيقي أو النحات أو الشاعر؟

يقول تولستوي: “الفن عملية إنسانية، فحواها أن ينقل إنسان للآخرين واعيًا مستعملاً إشارات خارجية معينة الأحاسيس التي عاشها، فتنقل عدواها إليهم، فيعيشونها ويجربونها“.

 

في رأيي أن المبدع هو ذلك الذي يتفرغ للعمل الإبداعي بكليته، غافلاً في وعيه عن المؤثرات الخارجية، تمامًا كالعالم في المختبر، وهو يعيش القوانين والمعادلات والاختبارات. ولكن المبدع/ العالم لا يمكنه أن يستمر من غير أن يعرف في أعماق نفسه وفي عقله اللاواعي أن هناك من يتواصل، ومن يترقب، ومن يُعجَب، ومن يكافئ. وهذا يوصلني إلى القول إن عملية الخلق معاناة معقدة، لكن رسالة الفن الأولى والأَولى هي التوصيل.

 

وجدت من خلال تجربتي أن المسالة الإبداعية هي مراوحة بين الوعي واللاوعي، بين الوضوح والغموض. أتكيف لذلك ليصبح الإبداع تلقائيـًا أو فيضـًا– من غير أن يكون تمامًا كما أراده ووردزوورث-، بل فيه نوع من التوجيه في الدفة، حيث يحمل إيقاعـًا داخليـًا يختلف عما أراده إيليوت من أن حركة الأشياء في الطبيعة هي الطبيعة، فالشعر–  حسب دعواه، وبناء على ذلك-  يجب أن يكون طبيعيـًا ترجمة لواقع الطبيعة.

 

لو سجلت لكم ما يخطر في خلدي كما هو من غير تشذيب أو تهذيب لما وصلتكم (العدوى) التي ذكرها تولستوي، ولما عشتم مع تجربتي. من هنا جاءت هذه المراوحة، فإذا قلت مثلا:

 

تنفرج الأزمة إما اشتدت

شوق أنَّ بوثبه شريان

وبأحناء الوجد الأشواك.

 

عمدت في السطر الأول إلى استرجاع موروث مخزون في ذاكرة جمعية، وفي السطرين الثاني والثالث لخصت معاناة ذاتية من خلال قضية عامة في لغة مختزلة، فشرياني يثب، والشوق يئن فيه، والأشواك مغروسة في حنايا الوجد.
إذن  ثمة تدفق وانفعال، وعراك بين الشوك والشوق، بين الألم والأمل، بين الأنين والوثبة. وقراءتي لهذا المقطع في أسلوب الأداء والتصوير لا يجعل المتلقي يبحث عن معنى كل مفردة على حدة، وإنما هو في موقف عام تصله التجربة بكليتها لا بأجزائها، فيحس ما يسمى ( الصدق ) وإلى أي مدى؟

 

فحتى أصل إلى من أصل إليه، أنوّع كتابتي، واختار لكل فئة قصيدتهم التي قد تتواصل معهم. فليست قصائدي نسخة واحدة مكرورة، وليست نفسيتي كذلك. ولكني مع ذلك سأحدثكم عن تجربتي مع قصيدة “الخروج من نهر الظمأ“.

قرأتها أمام طلاب أكاديميين في مهرجان غفير فتناقلوها.

وقرأتها أمام مهرجان لندن الثقافي فاعتبرها  د. غالي شكري خطابة، رغم أنه تحمس أولاً لها، وطلب نسخة عنها، لينشرها في مصر، بل اعتبرها البعض الآخر هبوطًا وانخفاضًا، وإساءة لـ “مستواي الأدبي“.

وقرأتها أمام طلاب الثانويات فراقت لهم الجمل الواضحة الأداء، وأعرضوا عن سواها. فلماذا تتغاير ردود الفعل؟ اسأل نفسي كثيرًا، وأحيل الإجابة إلى دارسي (علم الاجتماع – سوسيولوجيا -  الأدب) وهو تخصص أكاديمي جديد لدراسة العلاقة بين الأديب والجمهور.

ولأني لست عالم اجتماع بل معلم،  فقد ارتأيت أن أسوق لكم نموذجيين من عالمي هذا عسى أن يكون في ذلك عبرة .

 

الأول: معلم شعبي مسلٍ، حديثه مفتوح، في حركاته حيوية وجاذبية، إذا علَّم القليل – وقلما يعلّم – رددوا كلماته كالترياق. يلهو ويمثل. بهلوان طيب.

الثاني: معلم رصين جاد، مسؤول عن مادته وعن وقته. كلماته تفتح آفاقـًا، درسه للجادين فقط. تسقط عن عربة التحصيل التي يقودها عقول غير قادرة على السير معه.

 

قد يظن ظانّ أنني أجعل الثاني مثلا يُحتذى. إنني حقـًا أراه قريبًا إلى ما أصبو إليه. لكن مع التأكيد على حقيقة "ضرورة التواصل" التي يغفلها صاحبنا.... فكلما ثقف هذا معلومات وضحت في واعيته، أداها يسيرة مشوقة، وكلما بنى علاقات حميمة جعل للكلمات تواصلاً حتى لو كُسيت بعض جملة غموضًا ما، فالمسالة إذن تتعلق بالأسلوب وفي عمق المعرفة.

 

نعود إلى الإبداع أو منتجه:

إنه ذلك المسؤول عن بناء ما، ولا يمكن أن يؤدي رسالته بينما هو مغرق في إبهام دامس أو نفور أو انقطاع يائس، إلا إذا كان هذا البناء عبـثًا، هو الإبهام نفسه ... هو الشؤم – والعياذ بالأدب.

 

ولا بد من حكاية:

 

في جامعة بار إيلان التقيت بمثقف غريب  في أطواره وفي قوة حافظته.
قال لي: أنا أكتب الشعر، فإذا بشعره نقاط وحروف وأسهم وكلمات مبعثرة أشبه بالحجاب.
سألته: هل تنشر أشعارك "الرائعة"؟
أجاب: لا، لأنني شاعر لذاتي الأخرى فقط، وأنا أكتب لها، ولن يفهمني أحد، فما طعم أن أنشر لهم؟ ولماذا أصلاً يجب أن أفعل ذلك؟

 

يومها عرفت أن لا بد من فلك تدور فيه قصيدتي،
 ولا بد من أعين ترمق عباراتي، وألسن تذيعها، وعقول تحمل عصارتها لتستمع بحياة أجمل وأمثل.

 يومها عرفت أن لا بد من صدى لصوتي، ولا يهمني عدد الأصداء، بل يهمني أن أجد نفسي بينها ولها، أن أحقق نفسي منها وفيها، وأن أكون إياي.

 

 

 

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد