نجوم الصف الأول في الثقافة العربية وكهوف الذات الثورات العربية تظهر أن المنفى الحقيقيّ يقاس بقدر الابتعاد عن قضايا الناس ومناصرة المستبد الذي رسم للمثقف صورة المرتزق.

 

الثورات العربية تظهر أن المنفى الحقيقيّ يقاس بقدر الابتعاد عن قضايا الناس ومناصرة المستبد الذي رسم للمثقف صورة المرتزق.

 

إعلان

 

إداورد سعيد من الكتاب الذين كتبوا عن 'خيانة المثقفين'

هل يمكن التعويل على أيّ دور للأديب والمثقّف في التهيئة لأيّ تغيير منشود أو المساهمة فيه؟ وهل يمكن الرهان على أيّ دور للثقافة في مجتمع بات يفتقر إلى أبسط ضرورات العيش من مأكل وملبس ومأوى؟ ألا ينطبق على حالة الكثير من السوريين هذه الأيّام أنّ بالخبز وحده يحيا الإنسان، وذلك في معرض الردّ على من يطالبون الجائع اللاجئ المشرّد بالتكيّف مع ظرفه وتناسي حالته إلى حين إيجاد حلول ما؟ هذه أسئلة تضع المثقّف أمام إشكاليات واقعيّة كثيرة، وتضع مفاهيم الثقافة والكتابة على محكّ الواقع.

يتوجّه البعض إلى المثقّفين باللوم والتقريع على دورهم المحدود في الثورة، ويحاولون تحميلهم الكثير من المسؤولية إزاء ما جرى ويجري. وتكون المحاسبة والمساءلة بنوع من الاستجواب لتقديم كشف حساب واقعيّ لمعاينة مدى انخراط المثقّف في قضيّة شعبه أو مواكبته لها أو تهرّبه من الاستحقاق. كما لا يعدم من قبل آخرين تضخيم دوره وتوصيفه بصفات ليست فيه، ومطالبته بالقيام ببطولات وخوارق يعجز عنها.

 

 

مثقف تحت الطلب

 

حين إمعان النظر في شؤون المثقّفين يمكن الوقوف على أحوالهم وإدراك الدور المحدود الذي يمكنهم تأديته في ظلّ الظروف الراهنة والسابقة، وهذا الدور على محدوديّته يظلّ النور الذي يستضاء به، ولا يقلّ تأثير الكلمة عن تأثير الرصاصة إن لم يكن أكثر، ففي مرحلة الطغيان والاستبداد حافظ بعض المثقّفين على الثقافة كقيمة عظمى، ودفعوا ضريبة مواقفهم بالسجن والعذاب والتضييق والتقييد، ولم يقبلوا التنازل عن مبادئهم تحت وطأة الحصار والطغيان، وقد حاول المستبدّ رسم صورة المرتزق للمثقّف وإظهاره بمظهر المستجدي على أبوابه طمعا في بعض الفتات، وذلك لتشويه القيمة التي يمثّلها، وبالتالي تمييعها انطلاقا من تقزيم المجسّد الواقعيّ لها.

 

يجهد المستبدّ في تصدير صورة المثقّف على أنّها الصورة التابعة لصورته، والكلمة المؤيّدة لكلمته، والصوت الذي يتشدّق بالزعيق والصياح ليهتف بحياته أو يحامي عن موبقاته، وذلك مقابل منحه بعض الرضى أو مكتسبات صغيرة، بحيث يفعّل الجانب الانتهازيّ على حساب القضيّة والمبدإ والموقف والرهان الأكبر المتمثّل في المحاماة عن الإنسان ضدّ ما يتعرّض له من استلاب وإجرام وقهر.

 

وقد قبل قسم ممّن يصنّفون أنفسهم في خانة المثقّفين الرضوخ للطاعة وتمّ ترويضهم بحيث تواطؤوا على معادلة الصراخ في الكتابة والتهافت لجني ثمار الكتابة في واقع التدليس والمداهنة.

 

تمييع الثقافة كقيمة وتسطيحها، وتبسيط أدوار المثقّفين وسلبهم الثقة التي يفترض أن يحوزوا عليها بالتراكم والتقادم، أنتج حالة مشوّهة من الثقافة في ظلّ عقود الاستبداد، وتمّ ترويجها على أنّها الحالة العامّة، بحيث يظهر المثقّف عبثيّا بعيدا عن قضايا أهله وناسه، منكبّا على ترجمة غرائزه وتلبيتها وإشباعها بموجب اتّفاقية غضّ النظر الذي من شأنه إبقاؤه قيد التردّد والجبن والخوف والخذلان، وكأيّ مواطن آخر «مدانا وتحت الطلب».

 

الثقافة في ظلّ القهر تتحدّى قيود الجلّاد وتلعن إيغاله في إيذاء الناس، ولا ترضخ لأيّ معادلة استسلاميّة، كما لا ترضى بتسليم أدواتها التي يكون الانتصار للقيم في صدارتها، مع موجبات التحدّي من وعي ومسؤوليّة ومكابرة على الجراح، لأنّه موكول من حيث يدري أو لا يدري بالمحافظة على القيم الجماليّة التي يجاهد المستبدّ على تتفيهها وتسفيهها وإبرازها كإكسسوارات لا غير.

 

 لا يكون مثقف الداخل منزها عن إبداء رأيه في تحدي القتل وفضح إجرام القاتل، وإن لزم الصمت فلا بد من الوقوف دقيقة صدق مع الذات

سلاح المثقّف النور والتنوير، الكلمة التي كانت شرارة البدء تظلّ مدماك الواقع وجسر الأمان إلى الغد. ولا يقتصر دور المثقّف على التوعية والتهيئة للتغيير بقدر ما يتعلّق الأمر بضرورة التزامه بميثاق شرف ذاتيّ وهو الانتصار للإنسان ومجابهة الإجرام وتحدّيه، كي لا تقع في مستنقع التسطيح وفخّ التبسيط والتمييع الذي يُدفع إليه من قبل المستبدّ، وكي لا يجد نفسه معزولا يكتب للفراغ، وينثر الهباء وسط بحيرات الدم وهو يتغزّل بزقزقة العصافير في غيطان يلوّث الكيميائيّ هواءها وسماءها وماءها، ويودي بأطفالها وبنيها الذين يرسمون خريطة عار المستبدّ ويلعنون صمت العالم وخذلانه.

 

عرّت الثورات العربيّة الأدباء وغربلتهم، أظهرت أنّ المنفى الحقيقيّ يقاس بقدر الابتعاد عن قضايا الناس ومناصرة القاتل. إذ لاشكّ أنّ الابتعاد عن هموم الناس، ومشاركتهم آلامهم وآمالهم، أحلامهم وأوهامهم، يشكّل منفى الكتابة الأقسى، المنفى الذي يضيّق على الكتابة حتّى يخنقها، ويخرجها عن سياقها، وينزع عنها الهالة المفترضة، ويجرّدها من قيمتها، بحيث تصبح مغتربة عن روح العصر، منهوبة مُستلبة، تعتاش على الفتات، وتخشى من الخوض في دوّامات الوجع بغية المشاركة في المعالجة والتشخيص والتنوير.

 

 

الجوهري والمزيف

 

يحرص كلّ نظام على تصدير وجوه إعلاميّة وثقافيّة تمثّله في المحافل الدوليّة، لتكون تلك الوجوه المصدّرة رسل ذاك النظام إلى العالم الخارجيّ، لتلميع صورته، أو تقديم صورة يظنّها الأنسب له.

 

في الحالة الطبيعيّة يفترض أن يتقدّم المشهد الفنّيّ أو الثقافيّ أو الفكريّ أولو الاختصاص والإبداع والتميّز، لكن في حالة الاستبداد والطغيان، يكون معيار الحكم مختلفا، ذلك أنّ أيّ تفكير خارج عن التأطير المسجون فيه، يعدّ خرقا للأسس، وتعدّيا على سيادة الدولة، واستهتارا بتوجّهاتها، وربّما ينعت الخارج على تلك القيود بالمروق، ويتّهم بالكثير ممّا ليس فيه، وممّا سيلبّسه النظام إيّاه.

 

يبني المستبدّ سياسته دوما على تغييب الجوهريّ وتصدير المزيّف، لأنّ من شأن الجوهريّ حين يسود أن يغطّي على الهالة التي يصطنعها إعلان المستبدّ له في الوسائل التي يفترض بها أن تكون للشعب، إلّا أنّها تظلّ وقفا في خدمة المستبدّ لتعظيمه وإضفاء المزايا الخارقة عليه.

 

المزيّف المصدّر للشعب هو الذي يراهن عليه المستبدّ في صراعه المزمن مع الشعب، لأنّ المزيّف لا يحوز أيّة ركيزة ينطلق منها أو يحرص عليها، بل يكون كالسهم الموجّه لغايات بعينها، لا يني يحاول إصابة أهدافه، وتوسيع مجال تخريبه، ولا نستغرب بعد ذلك أن يخرج بوعظ وإرشاد وتقييم للمراحل، ومحاولة التنادي لنقد ذاتيّ تكون غايته التحايل على الآخرين، لإعادة مرحلة التهيئة لتحايل آخر وتزييف متجدّد.

 

 

تخطيط: ساي سرحان

بعد سقوط الطغاة ينكشف الكثير من الأسرار والألغاز، مثلاً في حالة القذّافي تبيّن أنّه كان قد أسّس فرقة خاصّة لمكافحة النجوميّة، ولا يظنّن أحدنا به الاستهتار المظنون، بل كان داهية في مراميه، إذ أنّه أدرك خطورة النجوم الحقيقيّين على تنجّمه وتزركشه، فارتأى إقصاء الحقيقيّ ليسود الواجهة ويتصدّر الشاشة كنجم أوحد، ولا بأس بصعود أبنائه كنجوم مكمّلين لصورته ومستقين منه النجوميّة.

 

ولربّما يمكن إسقاط حالة مكافحة النجوميّة في كلّ الدول التي تعاني الاستبداد، وتختلف من نظام لآخر تبعاً للكثير من العوامل التي تساهم فيها. بالنسبة لسوريا مثلاً، برزت سياسة صنع نجوم، وذاك الصنع نفسه نهض على مكافحة نجوميّة أخرى حرمت من الضوء، وأبقيت في التعتيم خوفاً من تأثيراتها المستقبليّة، وبرغم ذلك، فإنّ الجوهريّ يتفجّر كينبوع دفّاف برغم التعتيم المفروض عليه، ولا يظلّ رهين المحابس التي سعت إلى تكبيله، والترويج لنقيضه الزائف.

 

وفي سياق النجوميّة والشهرة، يخلق كلّ نظام نجومه ومشاهيره، ليستعين بهم وقت الحاجة. في الثورة السوريّة تحوّل عدد ممّن ظنّوا أنّهم «نجوم» إلى أبواق إعلاميّة للنظام، خرجوا في مسيراتٍ مندّدة بالدعوة إلى الحرّيّة والتغيير، تباهوا أمام الناس والإعلام أنّهم يتشرّفون بأن يكونوا أبواقاً، مخمّنين أنّهم بذلك سيؤثّرون على الناس ويساهمون بإعادتهم إلى «الحظيرة».

 

بالمقابل، تمّت الاستعانة بأولئك الذين صنعوا كمعارضة وأعيد إنتاجهم بطريقة تتواءم مع الديناميّة التي يظنّها النظام في بنيته المتحجّرة، وما كان من أولئك الذي قُدِّموا على أنّهم معارضون إلّا قول ما يرغب النظام في سماعه، وإن كان بطريقة محدّثة تراهن على الالتفاف على مطالب الشعب.

 

تذرّع بعض المثقّفين من «المنجّمين – نجّم: تنجيم» بحجج واهية وذرائع مخجلة في سبيل معاداة الثورة، اختلقوا الأسباب التي تقنّعوا خلفها، تارة وصفوها بالفئويّة والطائفيّة، وتارة أخرى بالتكفيريّة والمحدوديّة، اصطدموا مع قوّة الواقع وهشاشة بنيتهم وتحجّم دورهم، تفاجؤوا بوعي الناس الذين تجاوزوا تنظيراتهم وتلفيقاتهم، ولم تجدِ محاولاتهم المستميتة في اللحاق بركب الثورة بغية إحباط الثوّار لا دعمهم.

 

غاب عدد من أولئك النجوم المصنّفين على أنّهم في الصفّ الأوّل عن الواجهة، بعد أن تحسّبوا من التغيير الحتميّ، أرادوا الانتظار والترقّب، وقفوا في المناطق الرماديّة، وادّعوا الوقوف إلى جانب الوطن، وما هم بذلك الادّعاء إلّا متملّصين من الاستحقاقات والواجبات الأخلاقيّة، تراهم يندّدون بالقتل دون تعيين وتحديد القاتل ومصدر القتل، يستنكرون التخريب معوّمين التوصيف، موهمين بالاصطفاف وراء قيم مطلقة يزعم كلّ طرف أنّه مالكها وممثّلها.. من مزايا الثورة أنّها تحدّد الاصطفافات وتغربل الممثّلين، يبقى ممثّلو الشعب في الصدارة لأنّهم يمثّلون الجوهريّ والحقيقيّ، في حين يسقط الممثّلون على الشعب لأنّهم نتاج المشوّه ومن إفرازات التشويه وصنعه..!

 

 

خيانة المثقفين

 

تحدّث المفكّر الفلسطينيّ الراحل إداورد سعيد عن «خيانة المثقفين» في أكثر من مناسبة، وصدر كتابه الذي ضمّ مجموعة من مقالاته تحت هذا العنوان. وهو إن كان قد تحدّث بنوع من التعميم إلّا أنّ التخصيص يلفت النظر في الحالة السوريّة.

 

يجتهد المستبد في تصدير صورة المثقف على أنها الصورة التابعة لصورته، والكلمة المؤيدة لكلمته

هناك مَن يروّج مصطلحات وتوصيفات تقسّم المثقّفين بين داخل وخارج، بحيث يفرض المكان الذي ينسب إليه طقوسه ومواقفه، ويمنحه هامش المناورة والمداورة أو الشجاعة والمجاهرة. مثقّفو الداخل ومثقّفو الخارج.. يبدو سعي المنادين بالتقسيم والمتهافتين على الترويج له كاشفاً لنيّات مبيّتة، تكشف بدورها عن نفسها مهما اختبأ صاحبها خلف شعارات حاجبة أو ضرورات مكانيّة ملزمة.

 

يُراد من التقسيم تبرئة بعض مثقّفي الداخل ممّن اضطرّتهم الظروف للبقاء، أو مَن لم يتمكّنوا من “الهرب” بعد، من مغبّة صمتهم وجريمة تخاذلهم أمام استحقاقات الأدب والثقافة والحياة. وهناك مَن يسعى إلى تبرير الموقف الضبابيّ أو التذرّع بالنبش بما وراء السطور ليثبت أنّ هذا الداخليّ أو ذاك مقهور ومُراقَب ومحاصَر ولا يمكنه التعبير عن رأيه بأريحيّة كالخارجيّ المرتاح من الرقابة والحصار واحتمال الاغتيال والتصفية.

 

قد يكون في هذا التبرير جانب من الصواب، ولا سيّما أنّ مَن يعرف تركيبة النظام وخبثه يدرك عدم تورّعه عن القيام بأيّ فعل في سبيل تصفية خصومه والمعارضين له، وحتّى المشكوك بأمرهم أو صمتهم، بحيث يرفع شعار الإرهاب ويعلن العداء لكلّ مَن لا يقاتل في سبيل المحافظة عليه وإدامته في حربه على الشعب، هذه الحرب المدنّسة التي يضفي عليها «قداسة» مستجلبة كي يشرعن لأتباعه الجريمة ويدفعهم إلى التمادي فيها وتأمين الغطاء العسكريّ لحمايتهم، ثمّ التنكّر لهم حين وقوعهم في شرّ أعمالهم.

 

لا يكون مثقّف الداخل منزّها عن إبداء رأيه في تحدّي القتل وفضح إجرام القاتل، وإن لزم الصمت فلا بدّ من الوقوف دقيقة صدق مع الذات، لا أن ينخرط في مركب النظام الغارق ويبحر فيه. أو أن يدين الضحّية ويبرّر للقاتل فعلته.

 

أسقطت الثورة مقولة «ريادة المثقّف». ويكون مقتل الثقافة والأدب والشعر حين نقرأ خبراً عن إقامة أمسية لهذا الشاعر أو الأديب أو ذاك في أحد مراكز النظام الثقافيّة، كما حصل مؤخّراً بإقامة نزيه أبو عفش وصقر عليشي أمسية شعريّة في دمشق.

 

بحيث أنّ الشعر لا يحتاج إلى موسيقى مصاحبة كي يُنشد على إيقاعها، طالما دويّ المدافع والصواريخ وأزيز الرصاص يلعلع في سماء الوطن، يصاحب قصائد «الشاعرين» بمشاعر مختلفة، غير الشاعرين بمشاعر الملايين من النازحين والمشرّدين والمعتقلين، حيث الاحتفاء بالتصوّف والعشق والغراميات والزهور و، و، و.. في حين أنّ مَن لأجله تُكتَب القصائد وتنشد الأشعار يتعرّض للغدر منذ عقود وشهور.

 

الداخل بدوره دواخل، أي هناك الصمت خوفاً، مع أنّ الصمت بعد مرور أكثر من ثلاثين شهراً على الثورة الصامدة يعدّ إهانة لدم الشهداء وإدانة لا تغتفر. ثمّ هناك المتستّر بعباءة التوفيقيّة والوسطيّة التي تبدو في مثل هذه الحالات ترفاً غير مقدور عليه. وكذلك يمكن مصادفة النعاميّين الذين يغرقون رؤوسهم في الرمال ويتهرّبون إلى الالتهاء عسى أن تنحلّ المسألة بطريقة لا غالب ولا مغلوب، ويكونون هم من الغالبين في صمتهم ونكوصهم إلى الداخل المنخور.

 

هناك من يروج مصطلحات وتوصيفات تقسم المثقفين بين داخل وخارج، بحيث يفرض المكان الذي ينسب إليه طقوسه ومواقفه

يعيب بعض مثقّفي الداخل على مَن في الخارج «هروبهم» من المواجهة على أرض الوطن، في حين أنّ عدداً من مثقّفي الخارج لم يخرجوا من بلدهم إلّا بعد سنين من السجن والتضييق والحصار، أو بعد تدمير بيوتهم وقصف مدنهم وقراهم بحيث وجدوا أنفسهم في وطنهم دون سقف يأويهم أو فراش يحضنهم ويحتويهم، كما أنّهم دُفعوا إلى الاستعداء لأنّ النظام الذي يزعم تمثيل الوطن لا يراهم أهلاً للبقاء على قيد الحياة ولا على أرض الوطن.

 

فكانوا نزلاء السجون الدائمين، ويتّهمون اليوم أنّهم نزلاء فنادق الخمس نجوم، وكأنّ البقاء بحدّ ذاته بطولة، في حين أنّ التعبير عن الرأي سواء في الداخل والخارج وإبداء موقف حيال القتل يمكن تأجيله أو التغاضي عنه. الواقع يفترض القول إنّه ليس كلّ مَن في الداخل أبطال، كما ليس كلّهم جبناء متخاذلين، وكذلك الأمر بالنسبة لمَن في الخارج، أمّا الجريمة الكبرى هي في تلميع صورة القاتل عبر إيجاد شركاء له في القتل، وإبرازه طرفاً من أطراف متعاركة وفريقاً يدافع عن حقّ ما يُنتزع منه، بحيث يتساوى مع القتيل والضحيّة.

 

يمكن لأيّ كان المساهمة في الثورة بقسطه، وإن كان بمساهمة لتعرية القاتل، أمّا استمرار الصمت وتحريف الصراع عن مساره فإنّه يخدم الطاغية بمحاولة ضعضعة صفوف المثقّفين الهشّة أصلاً بفعل تراكم سني القهر والعذاب والإجرام.

 

بالعودة إلى إدوارد سعيد الذي كتب «خارج المكان» ليكون في قلب المكان نفسه، يمكن استلهام كثير من العبر حول كيفيّة التواجد في المكان والتجذّر فيه، مهما كان الفصل العنصريّ مستعملاً، بحيث أنّ الخارج والداخل يتساويان حين التحلّي بروح المبادرة والإصرار على الانتصار للقيم الأخلاقية المتجسّدة بالوقوف ضدّ القاتل الكيميائيّ.

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد