رأي
pixapay

تطورات الموقف العربي من النظام السوري

كريم أبو الروس

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي ينفذه مركز مسارات - الدفعة الخامسة 2018-2019. 


مقدمة

إعلان

تشهد المواقف العربية في الآونة الأخيرة تغيّرًا تجاه الأزمة السورية، إذ زار الرئيس السوداني عمر البشير العاصمة السورية، دمشق، بتاريخ 16/12/2018[1]، وأيّد البرلمان العربي، بتاريخ 14/12/2018، عودة سوريا إلى الجامعة العربية[2]، وافتتحت دولة الإمارات العربية المتحدة سفارتها في دمشق، بتاريخ 27/12/2018، ورفعت المملكة الأردنية الهاشمية تمثيلها الديبلوماسي في سوريا، وأعادت فتح معبر "نصيب جابر"، بتاريخ 15/10/2018[3]، إضافة إلى مصافحة وزير خارجية البحرين لنظيره السوري بعد سنوات طويلة من القطيعة على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2018، بنيويورك، كبادرة لإعادة العلاقات بين البلدين.[4]


هل تعني هذه الخطوات عودة العلاقات العربية السورية، وهل تفتح آفاقاً جديدة للتسوية السياسية في سوريا؟


الموقف العربي من النظام السوري

علّقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا في الجامعة بعد قرار أصدره وزراء الخارجية العرب، بتاريخ 12/11/2011. وتضمن القرار فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد الحكومة السورية، كما طالب الدول العربية بسحب السفراء وطرد السفراء السوريين، وذلك احتجاجًا على قمع الاحتجاجات الشعبية وعدم الاستجابة لمطالب المتظاهرين.[5]


شهدت الاحتجاجات السورية التي اندلعت ضد حكم الرئيس بشار الأسد تأييدًا من بعض الدول العربية التي وقفت إلى جانب مطالب الثوار والمتظاهرين، في حين ظلّت دول أخرى، مثل تونس، وموريتانيا، والسودان، والجزائر، والعراق، تؤيد النظام السوري على اعتبار أن ما يجري مؤامرة تستهدف سوريا.


اتخذت الدول العربية مجموعة من الإجراءات ضد النظام السوري في العامين 2011 و2012، تجلت بمقاطعة النظام ، وسحب السفراء العرب من العاصمة دمشق، حيث قرر مجلس التعاون لدول الخليج العربية في بيان أصدره حول الاحتجاجات المندلعة في سوريا، بتاريخ 7/2/2012، سحب سفراء الدول الخليجية من سوريا وطرد السفراء السوريين منها.[6]


في المقابل، رفضت بعض الدول العربية رفضت مقاطعة النظام السوري، واستمرت العلاقات الديبلوماسية بينها وبين النظام، مثل الجزائر، وعُمان، والعراق، وتونس.


مع التحولات التي شهدتها الأزمة السورية التي أعقبت سيطرة النظام السوري على مدينة حلب والبادية السورية، والتدخل الروسي العسكري في الأزمة السورية العام 2014 بطلب من الحكومة السورية، ومشاورات أستانا في دولة كازاخستان بين ممثلي الدولة السورية والمعارضة السورية في كانون الثاني 2017[7] برعاية روسية وتركية للتسوية السياسية، حدث تغير في ردود الفعل العربية تجاه الأزمة السورية وراحت شيئًا فشيئًا تأخذ مسارات سياسية أكثر منها عسكرية. فعلى سبيل المثال، قال أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، بتاريخ 27/12/2018، إن "دولته باتت مقتنعة بالحل السلمي السياسي للأزمة السورية، وإن طرد سوريا من الجامعة العربية كان تصرفًا خاطئًا"، وعلى إثر ذلك أعادت الإمارات افتتاح سفارتها في دمشق.[8]


تشير النقاشات التي تدور في جامعة الدول العربية حول عودة سوريا إلى الجامعة، إلى أن الدول العربية لم تعد تضع رحيل الأسد شرطًا للتسوية السياسية. ويعود ذلك إلى سيطرة النظام السوري على أغلب المساحة الجغرافية للأراضي السورية، وإلى الانقسامات الواضحة بين تنظيمات المعارضة وعجزها عن تقديم رؤية بديلة عن النظام تضمن وحدة الأراضي السورية وإنهاء الأزمات وحل مشاكل مثل الإعمار وقضية اللاجئين والدستور والمشكلات السياسية والاقتصادية.


وفي سياق متصل، قال أنور عبد الهادي، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، بتاريخ 26/12/2018، إنّ التراجع عن تعليق عضوية سوريا مسألة وقت، لا يوجد تضامن عربي من دونها، كاشفًا عن عن مشاورات بين الدول العربية لعودة عضوية سوريا إلى الجامعة العربية.[9]


الموقف الخليجي

بدأت الدول الخليجية، مثل السعودية وقطر، بدعم بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة[10]، وكانت تترجم هذا الدعم بخيارين: إما تنحي الرئيس الأسد عن منصبه، أو إزاحته عن الحكم عسكريًا. وقد اتخذت كل الدول الخليجية موقفًا واضحًا من النظام السوري عدا عُمان.


بدأ الموقف الخليجي يتغير بوضوح بعد الأزمة الخليجية بين قطر والدول المقاطِعة لها (مصر، السعودية، الإمارات، البحرين). فقد أعلن حمد بن جاسم، وزير الخارجية القطري السابق، في مقابلة على القناة القطرية الرسمية أن بلاده والسعودية دعمتا المعارضة السعودية إلا أنهما بعد الأزمة الخليجية غيرتا موقفهما من الأزمة السورية بسبب تضارب المصالح بينهما في سوريا.[11]


عبّر عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، عن موقف جديد تبنته المملكة إزاء الأزمة في سوريا، إذ قال في بداية اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى الوزراء في الدورة الـ 150 في القاهرة، إن موقف السعودية واضح ومعلن للجميع، وهو استقرار سوريا ووحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها.[12]


في المقابل، رحب وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، بتغير في الموقف السعودي تجاه بلاده.[13] ويبدو أن أكثر المواقف الخليجية وضوحًا في تغيير موقفها من النظام السوري إعادة افتتاح الإمارات لسفارتها في دمشق.


الموقف الأردني

لا يزال الموقف الأردني الرسمي غير واضح من الأزمة السورية، فقد مر بمراحل مد وجزر وتأييد ومعارضة، وفي أحيان كثيرة صمت، أمام تفاعلات الأزمة وأحداثها، تمثل ذلك في "احتضان" الأردن للمعارضة السورية، حيث وفرت لهم المناخ في التعبير عن آرائهم أمام الإعلام ومهاجمة النظام بشكل مباشر، وأيدت المملكة قرار جامعة الدول العربية تجميد عضوية سوريا، كما صوتت مع قرار يدين سوريا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وأيضًا في مجلس حقوق الإنسان.


مؤخرًا، اتخذ الأردن خطوات تبين تغير موقفه من الأزمة السورية، تمثلت بإعادة افتتاح معبر "نصيب جابر" بين سوريا والأردن، ورفع التمثيل الديبلوماسي الأردني في سوريا، فضلًا عن زيارة وفد برلماني أردني للعاصمة دمشق، هي الأولى منذ بداية الأزمة السورية.[14]


الموقف المصري

شهد الموقف المصري تجاه الأزمة السورية تحولًا بعد مرحلة الرئيس المصري محمد مرسي، ليتغير من المطالبة برحيل الأسد واحتضان المعارضة السورية علنًا، إلى المطالبة بالتسوية السياسية السلمية في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقد عبر السيسي وحكومته عن ذلك أكثر من مرة بأن مصر ترفض الحل العسكري للأزمة، وترفض التدخل الخارجي الأجنبي في سوريا، وأنها مع الحوار والتسوية السياسية بين النظام والمعارضة، وفي ذات الوقت الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والسيادية.[15]


الموقف السوداني

لم يقطع السودان علاقاتها الديبلوماسية مع دمشق، وفي ذات الوقت لم تؤيد النظام. وامتنع السودان عن التصويت مع قرار تقدمت به كندا في الأمم المتحدة يطالب بفك الحصار عن المناطق التي تفرض الحكومة السورية طوقًا عليها. كما لم يسحب السودان سفيره من دمشق وظل السفير السوري مقيمًا في الخرطوم ويمارس عمله بشكل كامل.[16]


تبنّى السودان تبنت موقفًا جديدًا من الأزمة السورية تمثّل بزيارة الرئيس عمر البشير، في أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ بداية الأزمة، وبذلك تحول السودان من بلد يقف على الحياد في الأزمة إلى بلد يرى في النظام شريكًا أساسيًا في التسوية السياسية.


تحول الموقف العربي: لا بديل عن النظام السوري

كانت الحكومة السورية في العام 2016 تسيطر فقط على 26% من المساحة الكلية للأراضي السورية[17]، ولكن بعد أربعة سنوات من التدخل العسكري الروسي في سوريا أصبحت تسيطر على 60% من سوريا.[18]


شكّل استرجاع النظام السوري لمدينة حلب التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة السورية في نهاية العام 2016[19]، وغيرها من المدن الحيوية والإستراتيجية، وأكثر من نصف مساحة سوريا الجغرافية، فارقًا كبيرًا في مجريات الأحداث في الأراضي السورية، ما أعطى النظام نقطة قوة في المفاوضات التي كانت ترعاها روسيا والأمم المتحدة في أستانا.


كون النظام السوري تحالفات أساسية مع إيران وقوات حزب الله اللبناني وروسيا، إضافة إلى دعم الصين، التي رفضت التدخل العسكري في سوريا، وجاء دعمها منافسة للولايات المتحدة الأميركية وسياساتها في الشرق الأوسط كما كان دعمًا لروسيا في سوريا.[20]


في ضوء التطورات السابقة، تشكلت رؤية جديدة لدى بعض الدول العربية مضمونها أن الحل السلمي للأزمة السورية هو الأكثر نجاعة، وهو الخيار الأفضل لمعالجة ملفات شائكة وكبيرة، مثل الإعمار وقضايا الحدود والإرهاب واللاجئين السوريين خارج الأراضي السورية. وبالتالي تم إغفال النظر عن وجود النظام السوري في أية تسوية سياسية أو سلمية لحل الأزمة بشكلها النهائي، على الرغم أن هذه الدول كانت تدعم الفصائل العسكرية ضد النظام السوري، وفي ذات الوقت تطالب برحيله أو إقصائه عن الحكم عسكريًا.


جاء التغير في الموقف العربي تجاه النظام السوري مترافقًا مع متغيرات إقليمية أخلت بتوازنات ومصالح الدول العربية، مثل تمدد الإرهاب من سوريا إلى دول أخرى.


خاتمة

تشهد مواقف الدول العربية من الأزمة السورية، وتحديدًا النظام السوري، تغيرًا كبيرًا، يدفع باتجاه إنهاء الأزمة بعد ثماني سنوات من القتال المستمر. ويأتي ذلك في ظل خفض روسيا عدد قواتها في سوريا، حسب تصريحات فاليري غيراسيموف، رئيس أركان الجيش الروسي، الذي قال فيها "أن القوات الروسية قد أتمت مهمتها في القضاء على الإرهاب".[21]


تدفع كل هذه التطورات وعودة العلاقات العربية السورية، بالضرورة، إلى عودة سوريا تحت حكم الأسد إلى جامعة الدول العربية، وإلى سعي الدول العربية لإعادة العلاقات مع الحكومة السورية لإيجاد تسوية سلمية سياسية في سوريا بين أطراف الأزمة الداخلية، تُسهم في معالجة أزمة اللاجئين السوريين. كما تفتح الباب لإعادة تشكيل التحالفات والمواقف في القضايا الإقليمية، ولأسئلة تحتاج إلى إجابة، مثل مستقبل الوجود الإيراني في سوريا.


الهوامش

** ما يرد في هذه الورقة من آراء تمثل كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] الرئيس السوداني في أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ 2011، فرانس 24، 16122018. bit.ly/2HCW4nW

[2] البرلمان العربي يدعو لإعادة سوريا إلى "العمل المشترك"، سكاي نيوز عربية، 14/12/2018. bit.ly/2EzYpOa

[3] إعادة افتتاح معبر نصيب جابر الحدودي بين سوريا، الجزيرة أون لاين، 15/10/2018. bit.ly/2DlR2a1

[4] لأول مرة منذ الأزمة ... مصافحة حارة بين وزيري خارجية سوريا ودولة خليجية، سبوتنيك عربي، 30/9/2018. bit.ly/2QkDxfD

[5] وزراء الخارجية العرب يعلقون عضوية سوريا ويدعون لسحب السفراء من دمشق، دويتشه فيله، 12/11/2011. bit.ly/2TjMB6k

[6] دول الخليج العربية تقرر سحب سفرائها من سوريا وتطالب سفراء دمشق بالمغادرة، صحيفة الشعب أون لاين، 8/2/2012. bit.ly/2FYkHtC

[7] انطلاق المحادثات السورية في أستانة بحضور كل الوفود، موقع قناة المنار الفضائية، 23/1/2017. bit.ly/2REdjG0

[8] مع وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية حول فتح السفارة الإماراتية في سوريا. 27122018. روسيا اليوم bit.ly/2GJeQYC

[9] أكثر من نصف الدول العربية مع عودة سوريا إلى الجامعة، وكالة مهر للأنباء، 26/12/2018. bit.ly/2WtgVxs

[10] دليل الفصائل المسلحة داخل سوريا، ساسة بوست، 1/5/2014. bit.ly/2wua260

[11] مقابلة وزير الخارجية القطري السابق على اليوتيوب، 26/10/2017. bit.ly/2EwD9HM

[12] السعودية: يجب منع التدخل الأجنبي في سوريا وضمان وحدة أراضيها، روسيا اليوم، 11/9/2018. bit.ly/2O7F6g5

[13] وزير خارجية سوريا: تغيرات في الموقف السعودي تجاه الأزمة السورية، صدى البلد، 1/9/2018. bit.ly/2DqwDRi

[14] وفد برلماني أردني يزور سوريا، صحيفة الأخبار اللبنانية، 19/11/2018. bit.ly/2SDSpKU

[15] محمد الزيات، الموقف المصري من الأزمة السورية، موقع مجلة السياسة الدولية، 25/7/2018. bit.ly/2GroVJI

[16] خالد خلف الله، السودان والأزمة السورية، صحيفة سودانايل، 1/12/2016. bit.ly/2ULRi9w

[17] خارطة النفوذ العسكري في سوريا، مركز جسور للدراسات، 4/5/2016. bit.ly/2Gcm6fi

[18] خارطة النفوذ العسكري في سوريا، مركز جسور للدراسات، 1/12/2018. bit.ly/2WxofIf

[19] الجيش السوري يعلن استعادة مدينة حلب بالكامل، بي بي سي عربي، 23/12/2016. bbc.in/2FZaKfB

[20] الدور الصيني في الملف السوري: الأسباب والدوافع، مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، 16/4/2016. bit.ly/2SUOOs0

[21] الجيش الروسي يتحدث عن خفض قواته بسوريا، العربية نت، 23/11/2017. bit.ly/2SqcBzD

Copyright © 2019 masarat, All rights reserved.

you are receiving this email because you are opted in at our website.

Our mailing address is: 

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد