يرى بعض المراقبين لمجريات الحادثة الاستخبارية التي وقعت في شرق خانيونس مساء الأحد الماضي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وما تبعها من ردّ المقاومة الفلسطينية والذي جاء قويًا وحازمًا، بإطلاق مئات القذائف الصاروخية ضد الأهداف الإسرائيلية، أنها قد تكون محطة فاصلة في العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.


وأن ما يمنع الجانب الإسرائيلي من خوض حرب شرسة على قطاع غزة إنما يأتي في سياق الاستدراج، ومحاولة كسب الوقت الذي هو بحاجة إليه من أجل إضعاف القدرة الاستراتيجية للمقاومة، وفي مقدمتها سلاح الأنفاق الهجومية، حيث من المتوقع أن ينتهي مشروع بناء الجدار العازل في بدايات العام القادم 2019، وحين إتمام ذلك المشروع ستكون يد الجيش الإسرائيلي حرة في تنفيذ حملة عسكرية واسعة ضد قطاع غزة.

إعلان

وبعد دخول مسيرات العودة التي بدأها الفلسطينيون في 30 مارس (آذار) من هذا العام، كمتغير جديد في ميدان الصراع بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل؛ مما يزيد المشهد صعوبة في ترجيح الكفّة بين الخيارين: التهدئة أم التصعيد.

تنطلق الجماهير الفلسطينية في كل يوم جمعة إلى الحدود الشرقية في فعاليات سلمية، ويتحرك بعض الشبان نحو السلك الفاصل بين الجانبين، وقاموا وفي أكثر من مرة بقص السلك والدخول إلى مواقع إسرائيلية والعبث بها، وزادت الأمور صعوبة بتسيير فعاليات ليلية لوحدات شبابية تطلق على نفسها اسم (وحدة الإرباك الليلي)، تقوم من خلالها بمشاغلة واستفزاز جنود الجيش الإسرائيلي عبر الحدود مع قطاع غزة، وأفعال أخرى من شأنها إزعاج مستوطني غلاف غزة، إضافة إلى تسيير تظاهرات بحرية بالقرب من الحدود هربيا (زكيم) يوم الاثنين من كل أسبوع.

وهذا الأسلوب الجديد الذي ابتدعته المقاومة الشعبية الفلسطينية والتفت عليه كخيار فئات الشعب من الكبار والصغار، الرجال والنساء، بات يكتسب – مع مرور الأيام – خبرات إضافية في أساليب المواجهة غير العسكرية، ولكنها مربكة إلى حدٍّ بعيد، وصلت في إحداها إلى محاولة شابين فلسطينيين أعزلين، خطف جندي إسرائيلي وسحبه إلى داخل القطاع؛ مما يزيد من الفرص والخيارات باستحداث المزيد من الأساليب الذي لا يستطيع الاحتلال توقعها، فضلًا عن استخدامه وسائل ناجعة لمواجهتها.

ومن منظور الأمن القومي الإسرائيلي، فإننا نجد أن قوة الردع، التي طالما تباهى بها الجيش الإسرائيلي، قد تعرضت للضعف والتراجع مقابل عناد المقاومة الفلسطينية، وأن مبدأ عدم خوض معارك الاستنزاف طويلة الأمد لم يستطع الجيش الإسرائيلي تجنبها مع مسيرات العودة والإرباك الليلي والبلالين الحارقة والتظاهرات البحرية.

وأن صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية ومتحضرة في نظر العالم الغربي، تتعرض كل يوم إلى التشكيك، وخاصة بعد سقوط الشهداء والجرحى من المدنيين. وكذلك فإن الضربات الاستباقية التي اعتاد الجيش الإسرائيلي على توجيهها ضد التهديدات الاستراتيجية لم تفلح في اضعاف المقاومة، وما آلت إليه الأمور في جولة التصعيد الأخيرة، وما أظهرته المقاومة من إمكانات وقدرات، تشهد بنجاح المقاومة في تجاوز الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة، وتطوير قدراتها العسكرية بصورة تستحق التقدير والإعجاب.

في ذات الوقت، نلاحظ أن الجانب الفلسطيني، قد تقدم بخطوات جريئة في دائرة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعد خافيًا على أحد أن المقاومة الفلسطينية اليوم بما تمتلك من إمكانات وحُسْن إدارة باتت تشكل خطرًا استراتيجيًا على الجانب الإسرائيلي أفقدته زمام المبادرة في اتخاذ الإجراءات الرادعة من منظوره.

توحدت فصائل المقاومة الفلسطينية في إطار جامع وموحد، تحت اسم (غرفة العمليات المشتركة)، وهو عنوان بات يعبر عن الجهة الفلسطينية التي تدير وتشرف على تسيير عمليات المقاومة، وإن بقيت طبيعة وخصوصية كل فصيل مقاوم لنفسه، إلا أن التعاون في إدارة عمليات المقاومة بهذه الصورة يعبر عن نقطة قوة وهيبة للجانب الفلسطيني.

واتبعت (الغرفة المشتركة) في صدّها للعدوان الاسرائيلي سياسة التدرج، وسعت إلى تحقيق مكاسب سياسية، وإصدار بيان سياسي إلى جانب العمليات العسكرية، كل ذلك عبّر عن نضج وحكمة لدى قيادة المقاومة.

ويزيد الجانب الفلسطيني رصيدًا إضافيًا بامتلاكه حاضنة شعبية، إذ إن الشارع العام بكافة توجهاته وقف مساندًا لعمليات المقاومة، ومع ضربات المقاومة وتحقيق الإنجازات غابت كافة تفاصيل الخلاف السياسي والتنوع الفصائلي، وهي صورة معبرة عن قوة في الأمن المجتمعي، مع التأكيد بأنه لا يمكن لأي دولة أن تتخذ قرارًا بالحرب وهي في حالة ضعف في نسيجها الاجتماعي؛ مما جعل الجبهة الداخلية التي ترعى الأمن المجتمعي بكافة احتياجاته ركنًا أساسيًا من أركان قيادة الحرب.

وللاقتراب أكثر من الإجابة على التساؤل (العنوان): ما الذي يمنع الاحتلال الإسرائيلي من اجتياح قطاع غزة؟

فإن البيئة الاستراتيجية التي تحيط بالمقاومة الفلسطينية هي في حالة قوة ومنعة، وتتزايد مع مرور الأيام ولا تتناقص؛ مما زاد في صعوبة اتخاذ قرار الحرب لدى القيادة الإسرائيلية، إضافة لما يتصف به الفلسطينيون من إرادة قوية وعقيدة قتالية صلبة، وقد أحيت مسيرات العودة لدى الشبان الفلسطينيين روح التحدي والمواجهة، وهم يرون أنهم في حالة دفاع عن النفس، وبإعلان المقاومة أنها تلتزم بالتهدئة ما التزمت بها إسرائيل، إنما تنطلق في موقفها هذا من موقف الندّ القوي.

ويعتبر التنوع الحاصل في العمل المقاوم الفلسطيني، وعدم الوضوح فيما تمتلكه تلك الفصائل من إمكانات وقدرات، رصيدًا إضافيًا في مخزون المقاومة، وزيادة في إرباك حسابات العدو، كونه لا يعلم طبيعة الأسلحة التي يجب أن يحتاط منها، ولا يعلم أماكن التخزين أو التصنيع فيستهدفها، وبالتالي هو يقاتل مقاومة لا يعرف عنها، إلا القليل، وتوفير المعلومة الدقيقة في الحرب هي الخطوة الأولى واللازمة في اتخاذ القرار العملياتي الصحيح.

تعتبر الأنفاق الهجومية مكمن تخوف الإسرائيليين، ولذلك شرع الاحتلال بالبحث عنها لتدميرها، ونفذت الحكومة الإسرائيلية مشروع بناء الجدار العازل، والذي يرى فيه الإسرائيليون أنه سيقطع تواصل أي نفق قد يمتد إلى عمق المستوطنات في غلاف غزة، وصرح نتنياهو الأربعاء الماضي 14 نوفمبر بأنه من المتوقع في نهاية هذا العام تدمير جميع الأنفاق الهجومية.

ولا تقل الأنفاق الداخلية خطورة عن الهجومية، فقطاع غزة يعيش فوق مدن كاملة من الأنفاق تمتلكها المقاومة، والتي تم بناؤها هندسيًا بما يعين المقاومة من التصدي للعدوان الإسرائيلي، وتساعدها على المناورة والتمويه اللازمين في العمليات الحربية.

وخلاصة القول: إن الجانب الإسرائيلي يعاني من العجز في كيفية التعامل مع المقاومة الفلسطينية، فقد سبق أن شنّ ثلاثة حروب قاسية على مدار العشر سنوات السابقة، وشدّد من إجراءات الحصار الخانق على قطاع غزة، ورغم المعاناة التي عاشها الفلسطينيون في غزة، إلا أن ذلك لم يؤثر سلبًا على المقاومة وبقيت روح التحدي ّمشتعلة وقوية للاحتلال قوية، ومع مرور الأيام تزداد قوة وتماسك جبهة المقاومة في ذات الوقت الذي بدأـت تظهر فيه مؤشرات فشل الحصار، وتأتي استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان من الحكومة في سياق تداعيات فشل الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع المقاومة، وتزايد فرص الدعوة إلى إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة.

مع التأكيد بأنه ليس من الصعوبة اتخاذ قرار الحرب، إنما الصعوبة في استحقاق اليوم التالي لبدء الحرب، وهو الموقف الذي استشكل على وزير دفاع العدو استيعابه، فهو يطالب باتخاذ قرار الحرب، دون أن يقدم خطة مقنعة للحكومة كيف سينجح في تحقيق أهداف تلك الحرب؟

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد