مصطفى كمال أتاتورك أعتق النساء، ونشر في المدن التركية مزيجا من الأفكار الأوروبية غير المنظمة، والتي لا جذور لها في ماضي شعبه. أتاتورك المثل الشرقي الأعلى لعلمنة الدولة والمجتمع في العام 2009، عرض في مختلف المدن التركية فيلم حمل عنوان: “مصطفى كمال أتاتورك”. وقد أثار ردود فعل مختلفة لدى الأتراك بمختلف طبقاتهم ومشاربهم. والأغلبية الساحقة منهم اعتبرته “مسيئا” للزعيم، و”القائد العظيم”، مشوّها لصورته، ومقدما إياه رجلا قصير القامة، واهن الصوت، ضعيفا أمام النساء، مدمنا على التدخين والخمر. أما في مخيال الأتراك فهو “الرجل القوي”،”الثابت العزيمة”، وهو “الأب الروحي الذي لا يمكن أن تنسى فضائله”. الحاكم من قبره ويمكن القول إن مصطفى كمال أتاتورك لا يزال يحكم تركيا من قبره، فخلال العقدين الماضيين، سعى الإسلاميون بمختلف الطرق والوسائل إلى تحجيم دوره التاريخي، معيدين الاعتبار للحجاب ولأشياء أخرى كثيرة كان هو قد حرّمها وألغاها، غير أنهم فشلوا في مساعيهم، وفي كل مرة يجدون أنفسهم مجبرين على التراجع عن قراراتهم، ومواقفهم خوفا منه. وأثمنُ ما تركه مصطفى كمال لبلاده، هو النظام العلماني الذي يضمن فصل الدين عن الدولة، لذلك فإن سعي الأصوليين إلى إبطال هذا الإرث العظيم ظل إلى حد هذه الساعة، يصطدم بعقبات كأداء. ويتفق المؤرخون على أن مصطفى كمال هو أحد أعظم الزعماء السياسيين الذين عرفهم العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين. فعلى أنقاض الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، والتي ظلت تحتضر قرابة المائة عام قبل أن تلفظ أنفاسها مثل عجوز مثخنة بالجراح، أقام دولة سرعان ما أصبحت من أقوى الدول على الخط الفاصل بين الشرق والغرب. كما أنه كان واحدا من الزعماء الذين ساهموا مساهمة فعالة في أن يصبح المؤرخون يسمّونه بـ”يقظة الشرق”. وقد أثر مصطفى كمال بفكره السياسي لا في النخب التركية وحدها، بل في نخب بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولعل الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة واحد من أكثر المشيدين بفضائله. وكان يجاهر بإعجابه به بل وانتهج البعض من أساليبه خصوصا في ما يتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ودور المرأة في المجتمع. أعجب أتاتورك بالنموذج الغربي للحياة، فحرم ارتداء الطرابيش وفرض السراويل الأوروبية وغير حروف الكتابة التركية من العربية إلى اللاتينية الذئب الرمادي ولد مصطفى كمال في مدينة سالونيك في شهر مارس-آذار 1881. وهو ينتمي لعائلة متوسطة الحال. ومنذ البداية أظهر الطفل ذو العينين الرماديتين سلوكا غريبا تمثل في نوبات غضب حادة تفضي إلى أرق قد يستمر طوال الليل. وبهدف تهدئته، كانت أمه تنحني على مهده، وتغني له أغنية من الأناضول تقول كلماتها:”نم يا صغيري …نم يا ذئبي الرمادي الصغير…”. وفي ما بعد، وعندما يشعل الثورة ضد الخلافة العثمانية، سوف يطلق عليه أنصاره اسم”الذئب الرمادي”. وعندما بلغ السابعة من عمره، غادر أبوه علي أفندي الإدارة المالية التي كان فيها موظفا صغيرا، ليصبح تاجر خشب. وباتفاق مع زوجته زبيدة، أدخل ابنه إلى المدرسة ليتعلم القرآن، غير أنه سرعان ما توفي تاركا عائلته أمام مستقبل مجهول العواقب. وكان مصطفى على عتبات المراهقة عندما التحق بالمدرسة العسكرية بغرض أن يصبح ضابطا، وهناك بدأ يظهر الكثير من النباهة، والشعور بالمسؤولية. وربما لهذا السبب، أصبح يسمى من قبل زملائه بـ”مصطفى كمال”. وعند بلوغه سن السابعة عشرة، حقق نجاحا باهرا في الامتحان النهائي، ليلتحق بالمدرسة العسكرية بالمنستير بمقاطعة ماسيدونيا، وفي تلك الفترة، كانت الاضطرابات تهزّ تلك المقاطعة، ومقاطعات أخرى من بلاد البلقان، وكانت عيون السلطان عبدالحميد مبثوثة في كل مكان. غير أن الجيش العثماني كان في حالة من الضعف وسوء التنظيم والعتاد، بحيث لم يكن قادرا على مواجهة تلك الأوضاع التي كانت تتدهور، وتزداد سوء عاما بعد عام. وبعد إطلاعه على المنشورات المعادية للإمبراطورية العثمانية وللباب العالي، والتي كانت توزعها المنظمات الثورية السرية، لم يعد مصطفى كمال مهتما بخوض الحرب ضد “المتمردين”، بل في ثورة تضع حدا لنظام فاسد ومريض وتعيد الاعتبار لتركيا. غير أن النشاط السياسي السري لم يمنع الشاب مصطفى كمال من إحراز نتائج باهرة في الامتحانات الشيء الذي خوله الالتحاق بالكلية الحربية في القسطنطينية. وكان ذلك عام 1902، حال وصوله إلى عاصمة الامبراطورية انخرط مصطفى كمال الذي كان حتى ذلك الوقت حاد الطّبع والسلوك، في حياة اللهو والملذات، غير أنه سرعان ما انقطع عن ذلك لينذر كل طاقته للدروس، والإعداد للثورة التي غدت مطمحه الأساسي، وحلمه الكبير، فتم اعتقاله ثم الإفراج عنه. بعد اطلاعه على المنشورات المعادية للإمبراطورية العثمانية في المدرسة العسكرية، لم يعد مصطفى كمال مهتما بخوض الحرب ضد المتمردين، بل بثورة تضع حدا لنظام فاسد وتعيد الاعتبار لتركيا التمرد على الثعلب الأحمر وفي عام 1908، تمكنت جمعية “الوحدة والتقدم” من تفجير انتفاضة تمردية ضد الباب العالي. وعند إبلاغه بالأمر، أصدر السلطان عبدالحميد الذي كان يلقب بـ”الثعلب الأحمر”، أمرا للفرقة العسكرية بالقضاء على الانتفاضة غير أنها رفضت أوامره، مظهرة التعاطف مع المتمردين. وفي ظرف بضعة أيام، تزعزعت سلطة الإمبراطورية، وبدت وكأنها على وشك الانهيار التام. غير أن “الثعلب الأحمر” عجل باتخاذ إجراءات تمثلت في الإعلان عن حكومة دستورية، وحيّا “الثوريين” لأنهم “أنقذوا الإمبراطورية” ملقيا تبعات ما جرى على وزرائه ومستشاريه، أما مصطفى كمال فقد استقبل تلك الأحداث بصمت الذئب المقهور. مستغلّة انتفاضة 1908، والاضطرابات الخطيرة التي رافقتها، اشتدت مطامع الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، وبدأت تعد العدة للإجهاز على إمبراطورية “الرجل المريض”. ومُحرضة من قبل بريطانيا، ثارت اليونان من جديد، وبتشجيع من روسيا، أعلنت بلغاريا عن استقلالها، وقامت النمسا بضمّ البوسنة والهرسك، وفي خريف عام 1911، عبر الجيش الإيطالي البحر ليحتل ليبيا. أمام هذا الوضع المتفجّر انقطع مصطفى كمال عن ممارسة أي نشاط سياسي، والآن هو مهتم بالكشف عن الأهداف الحقيقية للإمبراطوريات الاستعمارية العظمى وخفايا تحركاتها. مجازر في مسقط رأسه سقطت سالونيك في أيدي اليونانيين وقام الجيش اليوناني بسلسلة من المجازر ذهب ضحيتها آلاف من سكانها الأتراك. وعلى مدى أسابيع ظل “الذئب الرمادي” يبحث عن أمه التي كانت تعيش هناك، فلم يعثر عليها إلا بعد جهد وهي مرمية في أحد المعسكرات الخاصة باللاجئين. كانت سنوات الحرب الكونية الأولى في غاية العسر والشدة، تجرّع خلالها مصطفى كمال الكثير من المرارات. وأكثر من مرة بدا له أن حلمه الكبير الذي شغله منذ شبابه لن يتحقق أبدا. وقد ازداد تشاؤمه بعد أن خسرت الإمبراطورية الحرب إلى جانب ألمانيا، فهجم اليونانيون على سواحلها المتوسطية ابتغاء السيطرة على المدن المنتشرة عليها. وعلى مدى سنوات الحرب ضد اليونان، كان مصطفى كمال ينتقل من جبهة إلى أخرى من دون كلل ولا ملل. وكان هو الذي قاد المعركة الحاسمة التي أعادت إزمير إلى الأتراك، وكان ذلك في خريف عام 1922. قال أتاتورك: لا شيء أفضل من أن يكون المرء تركيا» وفرض إجراءاته الكبيرة لعلمنة المجتمع التركي معتمدا القومية الطورانية، فكتب عنه المؤرخ ستيوارت «ماذا تستطيع القومية أن تفعل إذا توقف القوم عن الإعجاب بأنفسهم؟ وقبل ذلك الانتصار الساحق الذي حققه الجيش العثماني على اليونانيين، كان مصطفى كمال قد فرض نفسه قائدا عسكريا، وسياسيا كبيرا داخل المجالس والهيئات التي برزت في تلك الفترة. وفي أحد البيانات التي وزّعها، كتب يقول:”إن الشعب التركي لا يخشى شيئا وهو مستعد لتقديم جميع التضحيات اللازمة. إنه شعب لا يعرف الفشل إذ أن الفشل هو الموت، والشعب التركي يرفض أن يموت”. تركيا أتاتورك وكان يردد دائما المقولة التالية:”لا شيء أفضل من أن يكون المرء تركيا!”. وقد فعلت تلك القولة فعلها في قلوب محبيه وأنصاره من العساكر والمدنيين. ثم لم يلبث مصطفى كمال أن أرسل إلى السلطان محمد السادس مطالبا إياه بإجراء انتخابات عامة في كامل أنحاء البلاد، فلم يتلق جوابا. عندئذ أعطى الأمر للسلطات العسكرية بالاستيلاء على خطوط التلغراف، وعزل القسطنطينية عن بقية المدن والمقاطعات، والتكفّل بالبريد الرسمي، كما طلب منها تعويض الموظفين المدنيين المشكوك في أمرهم بضباط قريبين منه. وفي الثالث نوفمبر من عام 1922، انهارت الإمبراطورية العثمانية مثلما “ينهار الصرح الشامخ”، وأصبح مصطفى كمال سيّد تركيا الجديدة أو “أتاتورك” أي أبو الأتراك، كما هو يسمى إلى حد هذه الساعة. وفي أواخر حياته، أقام مصطفى كمال أتاتورك في قصر “دولمة بغشه” الذي بناه السلطان عبدالحميد على شاطئ البوسفور. وفي العاشر من نوفمبر 1938 توفي بتشمع في الكبد، ونقل جثمانه إلى أنقرة في قطار مجلل بالسواد. ومحاولا تقييم ثورته التحديثية، كتب المؤرخ البريطاني دزموند ستيوارت يقول:”لقد كان هدف مصطفى كمال أن يموت الدين غير أن الدين لم يمت، ولم يتطور كما حدث في مصر. وقد أعتق النساء، ونشر في المدن التركية مزيجا من الأفكار الأوروبية غير المنظمة، والتي لا جذور لها في ماضي شعبه، وأخذ أحفاد الانكشارية يرقصون “الفوكس تروت” في المقاهي. إن التجديد السطحي والتكيّف مع الغرب سهلا ضرورة ارتداء السروال والقبعة، اللذين فرضهما أتاتورك على أبناء شعبه، لكنهما في ساعة الموت أو الأزمة لم يرضيا سوى القليل”. وردّا على الذين يقولون إن أتاتورك أعاد للأتراك شعورهم بالاعتزاز القومي، طرح دزموند ستيوارت سؤالا ذكيا، يبدو كما لو أنه تلميح واضح للواقع الصعب الذي تعيشه تركيا راهنا في ظل الصراعات بين الأصوليين والعلمانيين:”ماذا تستطيع القومية أن تفعل إذا توقف القوم عن الإعجاب بأنفسهم؟”.

 

أتاتورك ذئب رمادي أطاح بالإمبراطورية العثمانية

مصطفى كمال أتاتورك أعتق النساء، ونشر في المدن التركية مزيجا من الأفكار الأوروبية غير المنظمة، والتي لا جذور لها في ماضي شعبه.

إعلان

أتاتورك المثل الشرقي الأعلى لعلمنة الدولة والمجتمع

 

في العام 2009، عرض في مختلف المدن التركية فيلم حمل عنوان: “مصطفى كمال أتاتورك”. وقد أثار ردود فعل مختلفة لدى الأتراك بمختلف طبقاتهم ومشاربهم. والأغلبية الساحقة منهم اعتبرته “مسيئا” للزعيم، و”القائد العظيم”، مشوّها لصورته، ومقدما إياه رجلا قصير القامة، واهن الصوت، ضعيفا أمام النساء، مدمنا على التدخين والخمر. أما في مخيال الأتراك فهو “الرجل القوي”،”الثابت العزيمة”، وهو “الأب الروحي الذي لا يمكن أن تنسى فضائله”.

 

الحاكم من قبره

 

ويمكن القول إن مصطفى كمال أتاتورك لا يزال يحكم تركيا من قبره، فخلال العقدين الماضيين، سعى الإسلاميون بمختلف الطرق والوسائل إلى تحجيم دوره التاريخي، معيدين الاعتبار للحجاب ولأشياء أخرى كثيرة كان هو قد حرّمها وألغاها، غير أنهم فشلوا في مساعيهم، وفي كل مرة يجدون أنفسهم مجبرين على التراجع عن قراراتهم، ومواقفهم خوفا منه.

 



وأثمنُ ما تركه مصطفى كمال لبلاده، هو النظام العلماني الذي يضمن فصل الدين عن الدولة، لذلك فإن سعي الأصوليين إلى إبطال هذا الإرث العظيم ظل إلى حد هذه الساعة، يصطدم بعقبات كأداء. ويتفق المؤرخون على أن مصطفى كمال هو أحد أعظم الزعماء السياسيين الذين عرفهم العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين.

 

فعلى أنقاض الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، والتي ظلت تحتضر قرابة المائة عام قبل أن تلفظ أنفاسها مثل عجوز مثخنة بالجراح، أقام دولة سرعان ما أصبحت من أقوى الدول على الخط الفاصل بين الشرق والغرب.

 

كما أنه كان واحدا من الزعماء الذين ساهموا مساهمة فعالة في أن يصبح المؤرخون يسمّونه بـ”يقظة الشرق”. وقد أثر مصطفى كمال بفكره السياسي لا في النخب التركية وحدها، بل في نخب بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

ولعل الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة واحد من أكثر المشيدين بفضائله. وكان يجاهر بإعجابه به بل وانتهج البعض من أساليبه خصوصا في ما يتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ودور المرأة في المجتمع.

 

أعجب أتاتورك بالنموذج الغربي للحياة، فحرم ارتداء الطرابيش وفرض السراويل الأوروبية وغير حروف الكتابة التركية من العربية إلى اللاتينية

 

الذئب الرمادي

 

ولد مصطفى كمال في مدينة سالونيك في شهر مارس-آذار 1881. وهو ينتمي لعائلة متوسطة الحال. ومنذ البداية أظهر الطفل ذو العينين الرماديتين سلوكا غريبا تمثل في نوبات غضب حادة تفضي إلى أرق قد يستمر طوال الليل.

 

وبهدف تهدئته، كانت أمه تنحني على مهده، وتغني له أغنية من الأناضول تقول كلماتها:”نم يا صغيري …نم يا ذئبي الرمادي الصغير…”. وفي ما بعد، وعندما يشعل الثورة ضد الخلافة العثمانية، سوف يطلق عليه أنصاره اسم”الذئب الرمادي”.

 

وعندما بلغ السابعة من عمره، غادر أبوه علي أفندي الإدارة المالية التي كان فيها موظفا صغيرا، ليصبح تاجر خشب.

 

وباتفاق مع زوجته زبيدة، أدخل ابنه إلى المدرسة ليتعلم القرآن، غير أنه سرعان ما توفي تاركا عائلته أمام مستقبل مجهول العواقب.

 

وكان مصطفى على عتبات المراهقة عندما التحق بالمدرسة العسكرية بغرض أن يصبح ضابطا، وهناك بدأ يظهر الكثير من النباهة، والشعور بالمسؤولية. وربما لهذا السبب، أصبح يسمى من قبل زملائه بـ”مصطفى كمال”.

 

وعند بلوغه سن السابعة عشرة، حقق نجاحا باهرا في الامتحان النهائي، ليلتحق بالمدرسة العسكرية بالمنستير بمقاطعة ماسيدونيا، وفي تلك الفترة، كانت الاضطرابات تهزّ تلك المقاطعة، ومقاطعات أخرى من بلاد البلقان، وكانت عيون السلطان عبدالحميد مبثوثة في كل مكان.

 

غير أن الجيش العثماني كان في حالة من الضعف وسوء التنظيم والعتاد، بحيث لم يكن قادرا على مواجهة تلك الأوضاع التي كانت تتدهور، وتزداد سوء عاما بعد عام.

 

وبعد إطلاعه على المنشورات المعادية للإمبراطورية العثمانية وللباب العالي، والتي كانت توزعها المنظمات الثورية السرية، لم يعد مصطفى كمال مهتما بخوض الحرب ضد “المتمردين”، بل في ثورة تضع حدا لنظام فاسد ومريض وتعيد الاعتبار لتركيا.

 

غير أن النشاط السياسي السري لم يمنع الشاب مصطفى كمال من إحراز نتائج باهرة في الامتحانات الشيء الذي خوله الالتحاق بالكلية الحربية في القسطنطينية.

 

وكان ذلك عام 1902، حال وصوله إلى عاصمة الامبراطورية انخرط مصطفى كمال الذي كان حتى ذلك الوقت حاد الطّبع والسلوك، في حياة اللهو والملذات، غير أنه سرعان ما انقطع عن ذلك لينذر كل طاقته للدروس، والإعداد للثورة التي غدت مطمحه الأساسي، وحلمه الكبير، فتم اعتقاله ثم الإفراج عنه.

 

بعد اطلاعه على المنشورات المعادية للإمبراطورية

العثمانية في المدرسة العسكرية، لم يعد مصطفى

كمال مهتما بخوض الحرب ضد المتمردين، بل بثورة

تضع حدا لنظام فاسد وتعيد الاعتبار لتركيا

 

التمرد على الثعلب الأحمر

 

وفي عام 1908، تمكنت جمعية “الوحدة والتقدم” من تفجير انتفاضة تمردية ضد الباب العالي. وعند إبلاغه بالأمر، أصدر السلطان عبدالحميد الذي كان يلقب بـ”الثعلب الأحمر”، أمرا للفرقة العسكرية بالقضاء على الانتفاضة غير أنها رفضت أوامره، مظهرة التعاطف مع المتمردين.

 

وفي ظرف بضعة أيام، تزعزعت سلطة الإمبراطورية، وبدت وكأنها على وشك الانهيار التام. غير أن “الثعلب الأحمر” عجل باتخاذ إجراءات تمثلت في الإعلان عن حكومة دستورية، وحيّا “الثوريين” لأنهم “أنقذوا الإمبراطورية” ملقيا تبعات ما جرى على وزرائه ومستشاريه، أما مصطفى كمال فقد استقبل تلك الأحداث بصمت الذئب المقهور.

 

مستغلّة انتفاضة 1908، والاضطرابات الخطيرة التي رافقتها، اشتدت مطامع الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، وبدأت تعد العدة للإجهاز على إمبراطورية “الرجل المريض”. ومُحرضة من قبل بريطانيا، ثارت اليونان من جديد، وبتشجيع من روسيا، أعلنت بلغاريا عن استقلالها، وقامت النمسا بضمّ البوسنة والهرسك، وفي خريف عام 1911، عبر الجيش الإيطالي البحر ليحتل ليبيا.

 

أمام هذا الوضع المتفجّر انقطع مصطفى كمال عن ممارسة أي نشاط سياسي، والآن هو مهتم بالكشف عن الأهداف الحقيقية للإمبراطوريات الاستعمارية العظمى وخفايا تحركاتها.

 

 

مجازر في مسقط رأسه

 

سقطت سالونيك في أيدي اليونانيين وقام الجيش اليوناني بسلسلة من المجازر ذهب ضحيتها آلاف من سكانها الأتراك. وعلى مدى أسابيع ظل “الذئب الرمادي” يبحث عن أمه التي كانت تعيش هناك، فلم يعثر عليها إلا بعد جهد وهي مرمية في أحد المعسكرات الخاصة باللاجئين.

 

كانت سنوات الحرب الكونية الأولى في غاية العسر والشدة، تجرّع خلالها مصطفى كمال الكثير من المرارات. وأكثر من مرة بدا له أن حلمه الكبير الذي شغله منذ شبابه لن يتحقق أبدا. وقد ازداد تشاؤمه بعد أن خسرت الإمبراطورية الحرب إلى جانب ألمانيا، فهجم اليونانيون على سواحلها المتوسطية ابتغاء السيطرة على المدن المنتشرة عليها.

 

وعلى مدى سنوات الحرب ضد اليونان، كان مصطفى كمال ينتقل من جبهة إلى أخرى من دون كلل ولا ملل. وكان هو الذي قاد المعركة الحاسمة التي أعادت إزمير إلى الأتراك، وكان ذلك في خريف عام 1922.

 

قال أتاتورك: لا شيء أفضل من أن يكون المرء تركيا» وفرض

إجراءاته الكبيرة لعلمنة المجتمع التركي معتمدا القومية

الطورانية، فكتب عنه المؤرخ ستيوارت «ماذا تستطيع

القومية أن تفعل إذا توقف القوم عن الإعجاب بأنفسهم؟

وقبل ذلك الانتصار الساحق الذي حققه الجيش العثماني على اليونانيين، كان مصطفى كمال قد فرض نفسه قائدا عسكريا، وسياسيا كبيرا داخل المجالس والهيئات التي برزت في تلك الفترة.

 

وفي أحد البيانات التي وزّعها، كتب يقول:”إن الشعب التركي لا يخشى شيئا وهو مستعد لتقديم جميع التضحيات اللازمة. إنه شعب لا يعرف الفشل إذ أن الفشل هو الموت، والشعب التركي يرفض أن يموت”.

 

 

تركيا أتاتورك

 

وكان يردد دائما المقولة التالية:”لا شيء أفضل من أن يكون المرء تركيا!”. وقد فعلت تلك القولة فعلها في قلوب محبيه وأنصاره من العساكر والمدنيين. ثم لم يلبث مصطفى كمال أن أرسل إلى السلطان محمد السادس مطالبا إياه بإجراء انتخابات عامة في كامل أنحاء البلاد، فلم يتلق جوابا. عندئذ أعطى الأمر للسلطات العسكرية بالاستيلاء على خطوط التلغراف، وعزل القسطنطينية عن بقية المدن والمقاطعات، والتكفّل بالبريد الرسمي، كما طلب منها تعويض الموظفين المدنيين المشكوك في أمرهم بضباط قريبين منه. وفي الثالث نوفمبر من عام 1922، انهارت الإمبراطورية العثمانية مثلما “ينهار الصرح الشامخ”، وأصبح مصطفى كمال سيّد تركيا الجديدة أو “أتاتورك” أي أبو الأتراك، كما هو يسمى إلى حد هذه الساعة.

 

وفي أواخر حياته، أقام مصطفى كمال أتاتورك في قصر “دولمة بغشه” الذي بناه السلطان عبدالحميد على شاطئ البوسفور. وفي العاشر من نوفمبر 1938 توفي بتشمع في الكبد، ونقل جثمانه إلى أنقرة في قطار مجلل بالسواد. ومحاولا تقييم ثورته التحديثية، كتب المؤرخ البريطاني دزموند ستيوارت يقول:”لقد كان هدف مصطفى كمال أن يموت الدين غير أن الدين لم يمت، ولم يتطور كما حدث في مصر.

 

وقد أعتق النساء، ونشر في المدن التركية مزيجا من الأفكار الأوروبية غير المنظمة، والتي لا جذور لها في ماضي شعبه، وأخذ أحفاد الانكشارية يرقصون “الفوكس تروت” في المقاهي.

 

إن التجديد السطحي والتكيّف مع الغرب سهلا ضرورة ارتداء السروال والقبعة، اللذين فرضهما أتاتورك على أبناء شعبه، لكنهما في ساعة الموت أو الأزمة لم يرضيا سوى القليل”.

 

وردّا على الذين يقولون إن أتاتورك أعاد للأتراك شعورهم بالاعتزاز القومي، طرح دزموند ستيوارت سؤالا ذكيا، يبدو كما لو أنه تلميح واضح للواقع الصعب الذي تعيشه تركيا راهنا في ظل الصراعات بين الأصوليين والعلمانيين:”ماذا تستطيع القومية أن تفعل إذا توقف القوم عن الإعجاب بأنفسهم؟”.

 

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد