هل يمكن إنقاذ الفكر العربي؟

هل يمكن إنقاذ الفكر العربي؟

هاشم صالح

أصبح واضحا لكل المطلعين أن الفكر العربي لن يستطيع النهوض بإمكاناته الخاصة وحدها، وإنما ينبغي أن نضخ في أوصاله المتكلسة وعروقه المتحجرة جرعات كبيرة من الدم الحي الآتي من الخارج، أي كميات ضخمة من الترجمات المتنوعة.

إعلان

كل من درس في الغرب واطلع على مدى تقدم الفكر الغربي وتأخر الفكر العربي يعرف معنى ما أقوله هنا. بل وحتى لو لم يدرس في الغرب، ولكنه متقن للغة أجنبية حية، كالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية يستطيع أن يفهم مقصدي؛ لماذا لا نعترف بالحقيقة؟ نحن نكتب بالعربية ونقرأ بالفرنسية أو الإنجليزية. نقطة على السطر.

إذا ما أردنا الاطلاع على النظريات العلمية أو الفلسفية، فإننا لا نقرأ بالعربية لسبب بسيط، هو أنها غير موجودة بشكل واف أو دقيق أو موثوق.

بل وحتى إذا ما أردنا الاطلاع على تاريخ العرب والإسلام نفسه، فإننا مضطرون لاستشارة المراجع الأجنبية؛

لماذا؟

لأنها تدرس تاريخنا وتراثنا على ضوء أحدث المناهج العلمية. هذا في حين أننا لا نزال سجناء النظرة القديمة التي سادت العصور الوسطى.

لتوضيح ذلك، يكفي أن نقارن بين ما يكتبه علماء الاستشراق الأكاديمي عن تراثنا، وما نكتبه نحن. أضيف إليهم البحاثة العرب والمسلمين الذين يدرسون في جامعات الغرب ومعاهده العليا، والذين اعتنقوا المنهجية العلمية في البحث وأتقنوها تماما.

مئات الكتب صدرت باللغات الأجنبية ولا تزال تصدر حتى الآن. وبعضها يحتوي على كشوفات حقيقية وتحليلات مذهلة. قد نقبلها وقد نرفضها، ولكنها منعشة للروح. ولا يمكن للفكر العربي أن يتجدد من دون مقارعتها أو الاطلاع عليها على الأقل. من سيترجم كل ذلك لكي تستنير العقول يوما ما؟ تلزم مراكز ترجمة عربية للاضطلاع بهذه المسؤولية. وربما يلزم قرار سياسي على أعلى المستويات لكي يخلع المشروعية على هذا المشروع الكبير.

 

لم أتحدث هنا إلا عما يُكتب عنا في الخارج من منتجات الاستشراق الأكاديمي الرفيع المستوى، فما بالك بكل المجالات الأخرى من علمية وفلسفية ولاهوتية... إلخ؟

هل النظريات العلمية التي تعاقبت منذ القرن الـ16 وحتى اليوم معروفة فعلا في اللغة العربية؛ أقصد بها نظريات كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن وأينشتاين وعشرات غيرهم؟

هل الرؤيا العلمية للكون متوافرة في الساحة الثقافية العربية كما هي متوافرة في الساحة الفرنسية أو الإنجليزية؟

هل لو كانت موجودة كان سيتجرأ البعض في الفضائيات على قول ما يقولونه يوميا، فيخدرون عقول الناس بالخرافات عن منشأ الكون وأصل الحياة؟

لماذا لا توجد كتب تبسيطية للنظريات العلمية الكبرى في اللغة العربية كما هي موجودة في كل اللغات الأوروبية؟

أليس هذا تأخرا مريعا؟

فما بالك إذن بالنظريات الفلسفية التي توالت منذ القرن الـ17 وحتى اليوم؟

لماذا لا تدرس في جميع مدارسنا وجامعاتنا فتتفتح النفوس وتستنير العقول؟

هل حقا نعرف معنى اللحظة الديكارتية في تاريخ الفكر أو اللحظة الكانطية أو الهيغلية؟ هذا دون أن ننسى لحظة نيتشه وهيدغر وهابرماس والحداثة وما بعد الحداثة... إلخ.

كيف يمكن للعرب أن ينهضوا في مثل هذا التخلف عن ركب الحضارة؟

دآلاف الكتب ينبغي أن تُترجم لإنقاذ ليس فقط الثقافة العربية وإنما اللغة العربية نفسها!

قد يصرخ أحدهم متأففا: يا أخي إلى متى سنظل مترجمين؟ إلى متى سنظل تابعين؟ وأجيب: سنظل مترجمين حتى نتهذب ونتثقف ونخرج من انغلاقاتنا التراثية المزمنة التي حولتنا إلى مشكلة عالمية كبرى.

 

لا داعي للمكابرة وإنكار الحقيقة الساطعة كنور الشمس. أكاد أقول: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

 

لكي تنجح عملية الترجمات الكبرى ينبغي أن يتوفّر شرطان أساسيان؛ الأول حسن اختيار المترجم، والثاني حسن اختيار الكتاب المرشح للترجمة. ينبغي أن يكون من أمهات الكتب، وقد حقق كشفا معرفيا في مجاله الخاص.

المكتبات الأجنبية تقذف بعشرات الكتب أسبوعيا، بل ويوميا فيها الغث وفيها السمين. والغث التافه لا يستحق أن نضيع فيه لحظة واحدة. هناك دجالون كثيرون حتى في مجال الفكر، وليس فقط في مجال السياسة!

 ينبغي أن يكون المترجم نفسه مفكرا وباحثا وشديد الاطلاع على الموضوع المترجم. لا يكفي أن يتقن لغة أجنبية لكي يصبح مترجما ناجحا، ثم ينبغي أن يلبي الكتاب المترجم حاجات الثقافة العربية، ويجيب عن تساؤلاتها الملحة.

أهم معيار لنجاح الترجمة هو ألا تشعر بأن الكتاب الذي تقرأه مترجم. ينبغي ألا تبدو عليه آثار العجمة على الإطلاق، وإلا فإن الترجمة فاشلة. ينبغي أن تشعر عندما تقرأه وكأنه مكتوب باللغة العربية مباشرة، ولم يُترجم قط.

عندما أقرأ كتب نيتشه بالفرنسية لا أشعر إطلاقا بأنها مترجمة. وتحضرني بهذا الصدد النكتة البليغة التالية. يقال إن جان هيبوليت أمضى عمره تقريبا في ترجمة هيغل إلى الفرنسية وشرحه والتعليق عليه، وقد برع خصوصا في ترجمة رائعة هيغل «علم تجليات الفكر والروح عبر العصور» أو «فينومينولوجيا الروح». لقد برع فيها إلى درجة أن المثقفين الألمان اضطروا إلى قراءة الترجمة الفرنسية لكي يفهموا النص الألماني! ومعلوم أن أسلوب هيغل وعر وصعب جدا، ولا يفهمه إلا المتخصصون الكبار في تاريخ الفلسفة.

 

لا يكفي أن تعرف الألمانية لكي تفهم هيغل! ينبغي العلم بأن جان هيبوليت ليس فقط مترجما وإنما أستاذ كبير للفلسفة في الجامعة الفرنسية. إنه أستاذ فوكو وكل جيله الكبير. ومع ذلك، فقد صدرت أخيرا ترجمة فرنسية جديدة لكتاب هيغل المذكور!

 

أخيرا فإن الترجمة مسؤولية وأمانة. فقد تؤدي إلى نتائج عظيمة، إلى نهضة ثقافية كبرى، إذا كانت ناجحة وموفقة، وقد تؤدي إلى تشويه أجيال بأسرها إذا كانت رديئة ومتسرعة. ويمكن القول إن التعريب بتصرف أفضل بكثير من الترجمة الحرفية. الخيانة مذمومة في كل شيء ما عدا في الترجمة. ينبغي أن تخون الحرف لكي تظل مخلصا للجوهر: جوهر الفكر.

هاشم صالح مفكر ومترجم سوري يقيم في باريس

0

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الشمس" وانما تعبر عن رأي اصحابها.

فيديوهات

+المزيد